مـــــــقلوبـــــــة

July 24, 2012 at 12:32pm

Home

سر الجازبية الغامضة لأبله فاهيتا

البعض قد لا يدرك التغيرات الإجتماعية و الثقافية التى تلت ٢٥ يناير لأننا مازلنا فى بؤرة الحدث. التوابع ما زالت تتوالى، و الوقت قد يكون مبكراً للنظر بموضوعية الى النتائج ، لكن هناك العديد من الظواهر قد بدأت فى التبلور، و منها جيوب و تكتلات المفكرين و الفنانين الجدد.  فنانين شباب ساهموا بقدر كبير فى الحراك الثقافى عقب الثورة. بعض من هذا الحركات أتخذت طابع تصادمي، بعضها تواؤمى، و الأخر أيجابى. هناك ايضاً موجة أخرى ربما تكون غير واضحة من بين ثنايا الحراك الثقافى لطبيعتها المركبة، موجة انتاجها الأبداعى متنوع و متفاوت من حيث الجودة، القيمة الفنية، و النضوج. لكن هناك عامل مشترك يجمع ما بين اتباعها: حبهم الغير محدود للأبله فاهيتا.

أبله فاهيتا من أكثر التجارب الناجحة على الأنترنت التى تستحق الأخذ بعين الإعتبار. فبخلاف معظم التجارب الكوميدية على الأنترنت، رحلة أبله فاهيتا هى رحلة تراكمية أخذتها بخطواط واثقة و غير متعجلة، على خلاف نمط “الفرقعة” و الإنتشار السريع من خلال الشبكات الأجتماعية. هى رحلة تحاكى تجربة العديد من محبينها من المثقفين و الفنانين، أو نخبة فاهيتا ان جاز التعبير.

تحولت الأبله دون ان تعى الى رمز ما و أصبحت فى طليعة موجة عشوائية، مبهمة الأفكار و الهدف، لكنها مقدمة بحماس فى رحلة دون ادنى اهتمام بالأتجاة. نخبة فاهيتا يدفعها الحماس. غايتها ان تبقى فى حالة أنشغال أبدى، كالأبله و هى تتحدث بشغف مع صديقتها على التليفون، و أعتى كوابيسها هو الأستسلام للهمود.

أول ظهور للأبله يظل هو الأكثر ثراء. ربما لأن شوشو أبو جهل لم تظهر على الأطلاق فى العمل، و ربما لأن الفيديو عندما ظهر فى عام ٢٠٠٧ تحت عنوان “انروب” لم يحاول طرح المحتوى من خلال أي سياق يجعله داخل حدود المنطق. الفيديو يبدأ بدون أى مقدمات و يلقى المشاهد داخل حياة أبله فاهيتا الخاصة ليستمع الى مكالمة تبدوا لأول وهلة حقيقية، لكن مع استطراد شوشو الوجودى فى الحديث عن الانروب يتلاشى أي شك فى واقعية المكالمة. العمل عبارة عن صدمة عبثية خام، و كانت تلاقئيته و الغياب التام لأدنى درجات الحرفية مكون أساسى لفعاليته. عبقرية “الأنروب” لم تكن مقصودة أو فى العمل ذاته، العبقرية كانت فى رد فعل المشاهد عندما يدرك ان الحضور القوى للحماسة و الأصرار يمكن ان يتواجد فى ظل غياب أي هدف أو معنى. النتيجة، أنهيار تلال شامخة من الثوابت و الفرضيات.

و مع ظهور شوشو ابو جهل بشخصها، و ما صاحب ذالك من خلق اطار طفولى تظهر فيه مع ابنتها، تراجعت حدة الرسالة العبثية و بدأ عالم الأبله في النضوج. لكن نضوج المستوى الحرفى لم يصاحبه أي محولة لتوسيع قاعدة الجمهور، ظلت فاهيتا مخلصة لروح “الأنروب” و ظل الطابع الوجودى غالب على حلقاتها. فاهيتا لا ذالت تبحر حائرة فى زاتها فى رحلة أبدية للأختيار ما بين “السدرة” أو “الوركة.”

عامل أخر كان أساسياً فى بناء أسطورة فاهيتا و هو أصرار صناع العمل على عدم الظهور للحفاظ على وهم العالم الأفتراضى للأبله. أعطى التزامهم بعدم الشخصنة مصداقية كبيرة لا نجدها فى الغالبية العظمى للانتاج الثقافى المصرى الذى يغلب عليه الطابع النرجسي و فى بعض الأحيان يكون بوق دعاية لشخص معين.

ظلت مدام شوشو فى عالمها الأفتراضى منفصلة عن كل ما هو رائج و “كول” و مع كل مقطع جديد ازداد عالمها ثرائاً حتى أصبح لها ميثولوجيا خاصة لا تقل شمولية و عمق عن ابطال القصص المصورة. بات هذا واضحاً بعد اللقاء الذى اجرى معها على قناه آون تى فى حيث أستمر اللقاء لأكثر من نصف ساعة و لم تتردد شوشو و لو للحظة واحدة عند أجابة أى من الأسئلة الخاصة بتاريخها و تفاصيل حياتها الشخصية. هذا الفلكلور الفاهيتاوى فى واقع الأمر مستوحى من نمط أجتماعى مصرى محدد. لكن بخلاف ما هو معتاد فى الثقافة المصرية، صناع فاهيتا لا يستهلكون النمط للسخرية من واقع أجتماعى معين أو لتسفية ثقافة سائدة بعينها، بل العكس. أبله فاهيتا شخصية نمطية تقدم من خلال عدسة ما-بعد-حداثية كأحتفاء بالثقافة الشعبية و أعادة النظر اليها بدون طبقية. هذه النبرة ظهرت بوضوح فى أعقاب ٢٥ يناير، و خصوصاً بعد انقشاع النشوة الثورية.

لم تكن فاهيتا هى وحدها التى قادت هذه الرحلة، كان معها نخبتها، و فى عز معمعمة حالة التشتت التى تلت ٢٥ يناير، عبرت الأبله بطريقتها عن أجواء الضياع بعدما قامت بمعالجتها من خلال اليات التشويش الثقافى المصرى لتطرح مقطع “انا بنت مين يا دادا؟” مقطع أخر مبهم به مساحة رمادية براقة كافية لأى شخص ان يرى انعكاس أفكاره و تسؤلاته من خلال حيرة كارولينا.

طرحت أبله فاهيتا مؤخراً فوازير رماضانية، و ربما هى محاولة من شوشو لتقديم عمل رائج لكن بشروطها و طبقاً لمبدأئها الشخصية. و هذا هو الحال أيضاً مع نخبة فاهيتا التى خفت حدة انفعالها و تحاول الأن أستغلال ما أكتسبته من حرية و خبرات لتقديم أعمال تعبر عنهم. لكن يظل السؤال قائماً، ما الحقيقة التى عبرت عنها الأبله التى لاقت صدى فى وجدان كل هؤلاء، ما سر إستجابتهم للنبرة العبثية المطلية بألوان زاهية. فى ظنى ان مقاطع فاهيتا من الأعمال المصرية النادرة التى إستطاعت ان تجمع ما بين نقيضين، النظرة التشاؤمية و روح الجمال و الأبداع. انها واقعية للحالمين، خطوة حذرة أخرى تجاه الحقيقة التى نستجمع شجاعتنا لموجهاتها: التفاؤل الحالم لم يعد الحل للمشكلة، بل أصبح هو أعمق جذر لها.

Notes

  1. nightmares-calling-you reblogged this from haisam
  2. shimaa-badawy reblogged this from haisam
  3. ahmednassar2013 reblogged this from haisam
  4. saraelbaz reblogged this from haisam
  5. 3bdo-omer reblogged this from haisam
  6. tylordurden reblogged this from haisam
  7. trinkler reblogged this from haisam
  8. hilalchouman reblogged this from haisam
  9. haisam posted this